مدنية الدولة في الإسلام

مدنية الدولة في الإسلام:يوم العودة

للخوض في بحثنا حول مدنية الدولة في الاسلام لا بد من الاضاءة على بعض المصطلحات ليس من جانب المعاني اللغوية من حيث هي “كلمات” في قواميس, و بعيداً ايضا عن الغوص في التأصيل التاريخي لكل مصطلح, حيث أن بعضها يمكن ان  يختزل منظومات فكرية متكاملة فهي مفاهيم تم تأصيلها, بينما بعضها الاخر مازال قيد التأصيل, و لكي لا نتوسع ومن ثم نتوه في عالم المفاهيم و المصطلحات و تاريخ نشأتها وتطورها و مدلولاتها المختلفة, سنكتفي باضاءات سريعة, ومن ثم نبين مدلول استخدام المصطلح في هذا البحث.

أولاً ما هي الدولة :

هي مصطلح حديث نسبيا لم يستخدم في ما قبل العصر الحديث ليدل على معناه الحالي حيث كانت تستخدم مصطلحات مثل امارة , ملكية , امبراطورية و خلافة. حاليا هنالك عدة تعاريف للدولة تتنوع من اعتباره يدل على كل “كيان سلطوي” الى نفي هذه الصفة أي “الدولة” عن كل الكيانات السلطوية ما قبل الدولة الحديثة المعاصرة, تتنوع تعريفات (الدولة) و تختلف في شكل الصياغة او حتى في المضمون, فهي مثلا:

عند ايسمان ( التشخيص القانوني لأمة ما )

عند بونار ( وحدة قانونية دائمة تحوي هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطات معيّنة في مواجهة أمّة مستقرّة على إقليم محدّد) .

أما آدمسميث فيلخص مهام الدولة بحماية المواطنين، والإشراف على تنفيذ القانون, وتحقيق العدالة ، والقيام بالأعمال والخدمات.

بينما يرى لينين أن (الدولة هي نتاج التناقضات الطبقية التي لا يمكن التوفيق بينها, والحل يكمن بالثورة و انشاء دولة البروليتاريا التي وبعد ان تنتهي من حسم صراع الطبقات و اجتثاث بقايا البرجوازية, تقوم بحل نفسها  لصالح انشاء المجتمع الشيوعي.

 

لكن ما اتفق عليه معظم الباحثين هو ان الدولة كيان يجب ان يتوافر على أركان ثلاثة وهي:

الارض: بمعنى نطاق جغرافي او اقليم بحدود ثابتة معروفة او متغيرة.

الشعب(المجتمع): هي المجموعة البشرية القاطنة على هذه الارض.

-السلطة: والتي هي مجموعة الافراد و الهيكليات و الاجراءات التي تدير الموارد وعلاقات الشعب الداخلية بما يحقق هيمنتها عليهم.

 

ثانياً الدولة المدنية:

المدنية كمصطلح منفرد  كان لها عدة دلالات مختلفة منذ ان قال ابن خلدون “الانسان مدني بطبعه” , حيث استخدمه الباحثون احياناً بالمعنى المقابل للبداوة, واحيانا بالمعنى المقابل للعسكرة او بالمعنى المقابل للحالة الدينية, واستخدمت ايضا عند بعض الباحثين كترجمة لكلمة civilization  عندما كان مصطلح الحضارة يستخدم كترجمة لكلمة culture  , اما بالمتداول الشعبي, فيعبر هذا المفهوم عن حالة من التسامح و قابلية التفاعل المهذب بين الافراد.

تستخدم “المدنية” ككلمة, مرادفةً لكلمات اخرى, ليشكلا معاً مفاهيم مختلفة مثل المجتمع المدني , الحالة المدنية وَ الدولة المدنية …. الخ

 

منذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأ مصطلح “الدولة المدنية” يطرح للتداول على مستوى النخب الفكرية والسياسية  و تناولته بعض الدراسات و الابحاث كمحاولة لايجاد منظومة قيم ومفاهيم تعبر عنه و يعبر عنها و لا يزال تأصيل هذا المصطلح مستمرا حتى الان .

لكن يمكن ان نعرف, وبتكثيف غير مخل, الدولة المدنية بانها الدولة التي تعبر تماما عن إرادة المجتمع, تستند لقيمه, و تكون وكيلة له .

تتصف هذه الدولة بثلاث صفات اساسية:

1-دولة المواطنة: واقصد هنا المواطنة كمكانة قانونية فقط , ولا تتعلق بالشعور الوجداني للفرد بالانتماء للدولة , و لا بفعاليته في هذا في المجتمع. و بذلك تسعى دولة المواطنة الى العضوية الكاملة و المتساوية للافراد في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات, بحيث لا يُعرّف أي فرد بمهنته او دينه او ماله او سلطته او اقليمه انما يعرف تعريفا قانونيا اجتماعيا باعتباره مواطن, ففي هذه الدولة لا يجوز ان يصل فيها أي فرد الى مرتبة اعلى, ولا يجب السماح بانخفاض مكانة أي فرد الى مرتبة ادنى, من مرتبة مواطن.

 

2-دولة القانون: حيث هو عقد اجتماعي ينظم العلاقات بين افراد الشعب و بينه و بين سلطة الدولة, حيث تكون هي السلطة العليا التي يلجأ اليها الأفراد او الجماعات عندما تنتهك حقوقهم او تهدد بالانتهاك, لتقوم بتطبيق القانون عبر مؤسساتها وبالتالي تمنع كل الاطراف من ان يطبقوا اشكال العقاب بانفسهم, و تكون سيادة القانون فوق كل كيانات الدولة من افراد و جماعات و مؤسسات.

 

3-دولة المؤسسات الديمقراطية: كثير من دول العالم المعاصر تنعت او تصف نفسها بالديمقراطية , من نظام كوريا الشمالية الى النظام السويسري. لا بد ان نذكر بالمعنى اللغوي للديمقراطية و التي هي عبارة عن كلمتين يونانيتين “ديموعامة الناس- كراتي حكم” و تعني حكم الشعب وينسحب هذا المعنى عليها اصطلاحاً أي حكم الشعب لنفسه, في الحقيقة تحتاج الديمقراطية الى بحث مستقل لكن يمكن ان نعرفها ببساطة بأنها الآليات المعتمدة لضمان وصول فعال للإرادة الشعبية الى إدارة مؤسسات الدولة, ومراقبة عملها و امكانية محاسبة القائمين عليها وعزلهم ……………….

 

ثالثا هل انشأ الاسلام دولة؟

تاريخيا, فإن هجرة الرسول الى المدينة قد انشأت كيانا سياسيا فيها, فهل حقق هذا الكيان اركان الدولة الثلاثة التي اشرنا لها سابقا, والتي هي الارض والشعب والسلطة؟ الارض و الشعب هي المدينة و ساكنيها, اما السلطة فقد تم التاسيس لها منذ بيعتي العقبة الاولى و الثانية وصولا الى ما عرف بدستور المدينة. لذلك يمكن ان نطلق على هذا الكيان صفة دولة. و هذه الدولة لم تنشأ كمطلب ديني انما كحاجة موضوعية فرضتها الظروف المرافقة للدعوة الاسلامية .

رابعاً مدنية الدولة في الاسلام:

ستتم المقاربة على النص الديني, وعلى الممارسة و التشريع في ضوء تجربة الدولة التي أقامها الرسول (ص) في المدينة, وامتدادها في العهد الراشدي, مع التأكيد على انها بالضرورة بنت ظرفها الموضوعي, الزماني والمكاني, فهي ليست تجربة قابلة للنسخ واللصق عبر أربعة عشر قرنا من الزمان.

ان الاسلام بهذا المعنى يكون قد قدم رؤية لدولة مدنية واقام نواتها (ولم يقمّها) و يمكن تلمس ذلك من خلال البحث عن مفاهيمها فيه :

 

 المواطنة : والتي تعني العضوية الكاملة والمتساوية في المجتمع بما يترتب عليها من حقوق وواجبات ، لكافة أبناء الشعب الذين يعيشون فوق تراب الوطن, دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو المستوى الاقتصادي أوالانتماء السياسي أوالموقف الفكري والمواطنة جوهرها التسامح و احترام الآخر و القبول بالتنوع، والمواطنة بهذا المعنى من المفاهيم التي اقام عليها الاسلام دولته كما تؤكد على ذلك وثيقة المدينة, التي نظمت العلاقات بين افراد و جماعات الدولة الوليدة و اعطتها صفةً معرفة بحيث أنَّهم(((( أمّة واحدة)))) متساوون في الحقوق و الواجبات فكان الانتماء للدولة مقدماً على الانتماء القبلي او أي انتماء اخر, و كتأكيد على هذا التقديم كان قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم (( ان الذين آمنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله و الذين آووا و نصروا اولئك بعضهم اولياء بعض و الذين آمنوا و لم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا , و ان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم و بينهم ميثاق و الله بما تعملون بصير))

كما وأقرّت الوثيقة كذلك مفهوم الحرية الدينية وتعدد المعتقدات، وأعطت حق المواطنة للجميع  بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية, حيث أُقرت المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغير المسلمين, كما بين الافراد انفسهم. حيث مما جاء في الوثيقة  -224/ 504 )، وابن كثير في البداية والنهاية ( 3 -501/ ومما ورد في هذه الصحيفة كما ذكر ابن هشام في سيرته ( 1225 ): (وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِيُنهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْن دِيُنهُمْ…….

وكان النص الديني وفي اكثر من موقع قد اكد على مفهوم الحرية الدينية (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر)

اذاً المواطنة كمفهوم يؤسس لقيمة المساواة مبدأ أساسي من مبادئ الدولة في الإسلام.

 

القانون: قد كان القانون كمفهوم يؤسس لقيمة العدل احد المبادئ التي اكد عليها الاسلام من خلال النص و التطبيق , وكانت ملامح دولة القانون واضحة بنتيجة بيعة العقبة الثانية, حيث هي عقد سياسي عسكري, ينظم المسؤولية المشتركة بين الحاكم والمحكوم, و قد حرص الطرفان على توثيقه, وذلك باعتماد احد اشكال التوثيق الذي كان متبعا و مقبولا حينها, وهو التوثيق بالالتزام الشفهي,  بمعنى ان يتم طرح المسألة من طرف و الموافقة عليها من الطرف الاخر شفهيا, (فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:أبايعكم على أن تمنعونى مما تمنعون منه نسائكم و أبنائكم, فأخذ البراء ابن معرور يده, و قال:نعم و الذى بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا- كناية عن أنفسهم ونسائهم-فبايعنا يا رسول الله, فنحن والله أبناء الحروب)

كما ظهرت تلك الملامح في وثيقة المدينة ايضاً, حيث تم فيها تحديد المسؤولية الشخصية للافعال, وتجريم دعوات الثأر الجاهلية، وجرمت نصرة المحدث (المجرم) او ايوائه, كما أكدت على وجوب الخضوع للقانون وردّ الأمر إلى الدولة، واكدت أنَّ لا حرب و لا سلم الا حرب الدولة و سلمها، فلا تحدث فردياً.

و هناك الكثير من الشواهد التاريخية التي اكدت على تأصيل قيمتي العدل و المساواة, حيث عبّر تعامل الدولة, مع قضية المرأة المخزومية التي سرقت, او قضية الرجل القبطي مع ابن الوالي, عن تساوي أفراد المجتمع في الكرامة الانسانية بغض النظر عن الانتماء الديني او الطبقي, بالاضافة الى تعبيره عن مبدأ سيادة القانون على الجميع.

 

الديمقراطية: حيث هي كمفهوم يؤسس لقيمة الحرية

الاسلام لم يعرف الديمقراطية كمصطلح, بينما نجد قيمة هذا المفهوم في الشورى, التي قررها الاسلام كمبدأ دون ان يفرض كيفية محددة لتطبيقها, حيث ترك ذلك للعقل البشري يبني على المبدأ ما يناسب البيئة المكانية والزمانية, ويقول في ذلك الدكتور محمد سليم العوا (ان الأساس في مبدأ الشورى هو ضمان الحرية التامة في إبداء الرأي) , وإذا كانت الديمقراطية المعاصرة تعني بتأكيد سلطة المجتمع ومراقبة الحكام ومحاسبتهم, فان مبدأ الشورى قرر ايضا ” سلطة الأمة وأكدها وأوصي بان يكون كل فرد مشرفاً تمام الإشراف علي تصرفات حكومته يقدم لها النصح والمعونة ويناقشها، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:- “ الدين النصيحة: قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين —-(الحج عرفة) —- (حادثة مشهورة عن الإنتخابات)

أن الإسلام وضع قواعد عامة لإقامة نظام الحكم ولم يحدد طريقة معينة لا يمكن تجاوزها, حيث تترك الشورى للمجتمع الحرية في اعتماد الطريقة المناسبة لاختيار الحاكم ومحاسبته وعزله فكانت بذلك اساس الديمقراطية الحديثة.

وهكذا نجد أن الدولة المدنية بتعريفها مفاهيمها و قيّمها ليست غريبة عن مجتمعاتنا و تراثها كما لم تكن غريبة عن حناجر الشباب في ثورات الربيع العربي، لا يشوش على ذلك اصرار البعض على رفض المصطلح (الدولة المدنية) باعتباره مصطلحا غريباً نشأ في بيئة غير بيئتنا لأن العبرة بالمسميات لا بالأسماء، و ما يلفت الانتباه, أن يلاقي هذا المصطلح هجوما عنيفا من طرفين نقيضين في النخب الفكرية العربية, حيث يعتبره منظروا السلفية بشقيها الدعوي و الجهادي, القناع الذي يلبسه “المتغربون فكريا” لتبليع العلمانية للمجتمع العربي,  بينما يعتبره بعض غلاة العلمانية “تلفيق فكري” يختبأ خلفه الاسلام السياسي في محاولة للسيطرة على مؤسسات الدولة ما بعد الثورة و من ثم اقامة دولته الدينية.

لكن بعيدا عن هؤلاء وهؤلاء, حاولت فيما سبق أن اشرح كيف فهمت هذا المصطلح, و الذي رفعته كشعار في ثورة الحرية و الكرامة, و لماذا لا اشعر شخصياً انه يشكل خطراً على مبادئ الحرية و العدالة و المساواة, او خطرا على مجموعة القيم الأخلاقية للمجتمع المستمدة من تراثه الحضاري والتزامه الديني
…………………

من المحاضرة التي ألقاها السيد المهندس قيس الرشيد اباظلي
ضمن سلسلة محاضرات “يوم العودة” التي تقيمها منظمة زيتون