رسمة وحكاية

عمر عجوز

جلس على باب مقرّه الامني المطل على المدينة و الى جانبه استراحت بندقيته و خلفه باب وراءه أحد الخونة بنظره .. أمامه غاز صغير يسخّن عليه ابريق الشاي كي يشرب كأسا بعد تعب .. كان فرحا بالمنظر الذي يراه .. طائرات و حوّامات تدكّ المدينة التي اتعبته .. المدينة التي حرمته ان يرى اهله .. كان يهلل مع كل انفجار و يحيي قائد المروحية مع كلّ رشقة من نار .. كان سعيدا بالغارة .. يرى الدماء تتطاير قبل تطاير الحجارة .. لم يحرك ذلك من آدميته شيئاً .. رأى النار المنبثقة من جوف المدينة بأعين المتعطّش السادي رآها نارا تدفئ جسده البارد المتبلد الاحاسيس .. شكر من يلقي النيران و راح يطلق النكات على الاجساد الغضّة التي تموت امامه .. كان متأكداً ان هذه الغارة سوف تكون الاخيرة و ان هدوء ذلّه و عاره سيعود و انه ارتاح من الجموع .. غادرت الطائرات و المروحيات السماء و انقشع الدخان الاسود الذي حجب نور الشمس ..  ما هي إلّا لحظات حتى سمع في الافق صوتا .. راعه الصوت هزّه في الوجدان علم ان لحظة الحقيقة قد أتت … الله .. سوريا .. حريّة و بس

……….

مجيدة قرقاش

هناك في القرية الوادعة التي لم يغريها ترف الحضارة بشيء عاشت طفلة لم تكن تعلم عن امور الدنيا الا ما تعلمه عن لعبتها التي اسمتها هديل .. كانت صديقتها الوحيدة و رفيقتها الوحيدة .. كانت تسرّ لها بكل اسرارها الطفولية و كانت تخبرها بدقائق امور حياتها مع اهلها .. كانت صديقتها الكتومة التي لم تفش يوما سرّا اخبرتها به … كانت لا تفارقها ابدا في اي مكان و في اي مشوار … ذات يوم كانت و  اخيها مع امها على الطريق هاربين من الموت الى الموت .. يبكون لا يعرفون لماذا لكنهم يبكون .. تحثهم امهم ان يسيروا مسرعين لكنهم لا يعرفون لماذا .. كانوا يسمعون في المدى صوت اطلاق الرصاص و من الجهة المقابلة صوت الاهازيج الثورية لم تكن تعلم ما يجري .. كانت تعرف ان والدها في المسجد و ان والدها و جميع رجال القرية يخرجون بعد الصلاة فيقيمون عرسا لا لأحد لكنّها لم تكن تعرف لماذا .. اقتربوا من الحاجز في الطريق فرأت الجنود .. حثتها امها ان تسرع في السير .. سقطت صديقتها من يدها على الارض لم تسمح لها امها بالتقاطها فزاد بكائها .. الجنود يرقبون .. يلاحظون .. يضحكون .. وجّه احدهم بندقيته نحو اللعبة اطلق عليها رصاصة و ضحك .. لم تفهم لماذا لكنها بكت بكاءا شديدا..عندما عادوا بعد انتهاء اطلاق النار .. مرّت بلعبتها .. لمّت اشلائها .. عادت الى البيت نادت كلّ اطفال قريتها .. توسطتهم .. رفعت لعبتها الى الاعلى .. و أعلنت عرس الشهيد

…………….

بنان أمين

كان واقفا امام منزله الذي تأكله النيران .. كان يبكي بحرقة على تعب والده الذي حصد حياته كلها بهذا المنزل .. كان المنزل كل ما يملك لم يكن منزلا كبيرا اذ كانت به غرفتين واحدة ينام بها و الاخرى يجلس بها .. لم يكن لديه في البيت اي شيء من التكنولوجيا حتى انه لم يملك يوما هاتفا ارضيا .. كان يتواصل مع الناس بابتسامته التي لم تفارق شفتيه يوما .. حاول الاقتراب من المنزل لكن جيرانه منعوه .. استرق نظرة من خلال الشباك على بيته فوجد النار تأكل صورة والده على الجدار .. تحوّل بكائه عويلا .. كانت الفاجعة بالنسبة اليه اقصى شيء يمكن ان يتخيله .. لم يعرف لماذا احرقوا بيته .. لماذا دفنوا ذكرياته تحت الرماد .. كان بسيطا طيبا لم يؤذ احدا يوما .. لم اختاروه هو لم اختاروا منزله بالذات .. ابعده الجيران عن المنزل و اخذوه قريبا من الساحة .. لم يستطيعوا دخول الساحة .. كان الجنود يحرسونها و يمنعون ايّ احد ان يدخلها .. طردوهم .. وقف مع جيرانه من بعيد يراقبون الحبال تتدلّى .. في نهايتها رؤوس آدمية مبتسمة و اجساد أنهكتها الجاذبية .. حولها الجنود ينتظرون ان تتحوّل هذه الاجساد الى ركام آدميّ ليلقوا به في حفرة سحيقة و يردموها بحقدهم .. في الطرف الاخر للساحة كان جنديّ يمسك طفلا .. في لحظة انفلات من البشرية لديه طعنه بمدية كان يحملها .. سقط الطفل .. صرخ الجندي: لقد قتلت الولدالجبان .. فقد الرجل كل خوف لديه .. لملم القوّة داخله التي لم يستخدمها يوما .. صعد على احد الاسطحة .. امسك علم الثورة .. نزل به هاتفا: الله أكبر .. بدء ثورته الخاصة

 ………..