رسمة وحكاية 2

نور الهدى

كان الجوّ مشحونا و كان الرجال في ساحة القرية جاثين على الارض .. ايديهم مكبلة الى خلف ظهورهم .. الجنود من خلفهم يصيحون يشحنون الجوّ بالحقد بأكثر مما هو مشحون يضربون بأحذيتهم الرؤوس و الجباه يهينون الانسانية لمجرد انهم يتنفسون .. في آخر الساحة أجلست النساء و الاطفال على الارض و بكائهم يشقّ عنان السماء استجداءاً لما بقي من انسانية و لما بقي من عنفوان تمزقهم شعارات الخذلان من داخلهم .. يحرس ذلّهم عدد من الجنود .. يتصايحون .. يشتمون .. يدخنون .. ألقى احدهم عقب سيجارته على الارض .. من بين الجموع خرجت زهرة امسكت عقب السيجارة .. رمته في سلّة المهملات .. نظرت إليه بأعين الطفولة  .. خاطبته: حافظ على نظافة مدينتك !!! استجمع مقدار حقده كاملا .. استجدى مخزون الكراهية داخل نفسه .. رمقها باستحقار .. اخرج مسدس الغدر من جنبه .. أرداها .. أشعل سيجارة أخرى.

                                                                                    …………………………………………..

يتول فبلان

كانت الدنيا في سكرات اليل الاخيرة .. كان الجميع نيام تحرسهم الجبال المطلّة على قريتهم .. كانت تعطيهم شعورا غريبا بالامان .. كانت قرية صغيرة بيوتها متلاصقة كأنها تحاول ان تدفئ بعضها في جوّ كانونيّ قارص .. ازقتها الضيقة كانت عشوائية بحيث أنك لا بد ان تعود للمكان الذي انطلقت منه من أي طريق تسلكه .. كانت الطرقات عبقرية فهي تخفي نظاما حميميا فيما بينها برغم عشوائية التصميم .. كانت قصص حب على شكل طرقات ..فبرغم ان عامود الكهرباء الوحيد الذي يعمل في القرية كان في مدخلها و كان ينير دربا لا يمشي به احد .. الا انّ أحدا لم يضلّ طريقه في الليل يوما .. فجأة صدر صوت مزلزل في السماء .. طائرة عابرة فوق القرية ألقت بلحظة ما تحمله من قذائف الذعر داخل قائدها و قائده ..نزلت القذائف على البيوت .. دمّرت ذكريات و محت قصاصات .. بدء العويل و صوت الالم الذي يُبكي الطرقات الآمنة .. خرجت امّ تحمل طفلتها من بين الركام .. تبحث بين الركام عمّن يسعفها .. كانت تصيح بأعلى صوتها .. كان صوتها مرتفعا جدا حتى انها تفاجئت بذلك رغم مصيبتها .. لم تشعر ان هناك عشرات الاصوات التي تصرخ طالبة ذات الطلب .. كان صوتا واحدا و مطلبا واحدا للجميع .. استنفذت الطفلة كمية الدماء التي تبقيها على قيد الحياة .. نظرت الى امها مبتسمة .. سلّمت الروح .. بكت والدتها .. انتحبت .. حفرت الدموع أخاديد على وجنتيها .. رفعت يديها الى السماء .. دعت الله ان يصبرها .. ساد صمت رهيب ..اشرقت بين الجبال شمس حزينة …أعلنت حداد السماء على الطفولة …….